
النجاح كما لا تصفه منصات التواصل
التسمية التي غابت عنا
في إحدى المرات، أرسلت لي صديقتي المقرّبة تخبرني أنها مرّت بموقف سيئ مع شريكها في العمل. فقررنا أن نخرج قليلًا و"نغيّر جو". تحدثت صديقتي عمّا حدث، ونفّست عمّا بداخلها، بينما كنت أستمع إليها باهتمام.
وبعد أن هدأت الأجواء، انتقلنا إلى نوع الأحاديث الذي أحبه كثيرًا معها: الأحاديث الفلسفية التي تجعلنا نتأمل الحياة من زوايا مختلفة.
خلال الحديث، ذكرتُ لها وجهة نظر لطالما آمنت بها، وهي أن أغلب الأشخاص الناجحين يحملون قدرًا من المثالية في طباعهم. ولأنني كنت أرى فيها صفة المثالية، وقد أخبرتها بذلك من قبل، أوقفتني فجأة وسألتني: "هل فعلًا ترينني شخصًا ناجحًا؟” أجبتها فورًا: "طبعًا، أنتِ ناجحة.”
لم تكن مجاملة عابرة، ولم أقل ذلك لأنها صديقتي أو لأنني أردت التخفيف عنها في ذلك اليوم. كنت أعني ما أقول بكل صدق. لكن الوقت لم يسعفني حينها لأشرح لها لماذا أراها ناجحة، فقررت أن أكتب هذه التدوينة وأشاركها معها ومعكم.
للأسف، جعلتنا وسائل التواصل الاجتماعي نعرّف النجاح بمعايير غير واقعية دون أن نشعر. وفي المجال المهني تحديدًا، أصبحت منصات مثل “لينكدإن” مليئة بالمنشورات التي تتباهى بالمناصب والشهادات والجوائز والمشاركات في الفعاليات الكبرى. ومع الوقت، أصبحنا نقلّل من قيمة النجاحات الحقيقية التي نحققها كل يوم.
لو عدنا إلى صديقتي كمثال، فأنا أعرف أن العملاء الذين تعمل معهم أصبحوا يفضّلون التعامل معها أكثر من شريكها. وأعرف أنها رفعت مستوى مخرجات الشركة منذ انضمامها إليها. وأعرف كذلك أنها تتعامل مع موظفيها برقي وإنسانية ومهنية عالية، وهذه الأخيرة لم أعرفها منها، بل من أختي التي عملت معها لفترة قصيرة.
كل هذه الأمور ليست صدفًا. إنها نتائج لمعارك يومية يخوضها الإنسان مع نفسه؛ معركة الانضباط، والالتزام، وتحمل المسؤولية، والحرص على إتقان العمل، والسعي لأن يكون أثره إيجابيًا فيمن حوله.
وعندما تأملت الفكرة أكثر، بدأت أتساءل: لماذا لا ترى صديقتي كل ذلك نجاحًا؟ هل لأن نجاحها لم يأتِ على هيئة شهادة من جامعة مرموقة؟ أو ظهور على منصة كبيرة؟ أو حديث في فعالية مشهورة؟
قد تكون هذه الإنجازات مظاهر للنجاح فعلًا، ولا يمكن إنكار قيمتها. لكنني أدركت أن هناك مفهومًا أعمق وأهم من النجاح نفسه، وهو الفلاح.
فالنجاح قد يكون دنيويًا بحتًا، أما الفلاح فله بُعد آخر؛ بُعد يتجاوز ما يراه الناس، وما يُكتب في السير الذاتية، وما يُنشر على المنصات.
النجاح في اللغة هو إدراك الشئ والظفر به. أما الفلاح هو البقاء في الخير بعد الظفر بالشئ. وهو أن يكون للعمل معنى أبعد من المكاسب الظاهرة. أن تكون النية فيه لله، وأن يكون السعي خالصًا له. أن يترك الإنسان أثرًا طيبًا في حياة الآخرين وهو يرجو بذلك وجه الله قبل أي شيء آخر.
وهذا المقام ليس سهلًا، ولا يُقاس بالشهادات ولا بالمناصب ولا بعدد الإعجابات والتفاعلات. إنه رحلة طويلة من تصحيح النية، ومجاهدة النفس، والاستمرار في فعل الخير حتى عندما لا يراه أحد.
كما أنه يتطلب التوبة والاستغفار عند الخطأ وزلة النفس في الذنوب والمعاصي؛ فالخطأ جزء من طبيعة الإنسان، خصوصًا في التجارب الأولى وعند نقص الخبرة، كالمرة الأولى التي يدير فيها فريقًا من الأشخاص، أو يقود مشروعًا جديدًا، أو يتحمل مسؤولية لم يسبق له خوضها. فتظهر منه أخطاء بشرية طبيعية أو قد يرتكب ذنوبًا فيأثم.
والأهم من ذلك كله ألا يظلم أحدًا؛ فالظلم ظلمات يوم القيامة. والله سبحانه قد يغفر ما بينه وبين عبده، لكنه لا يتجاوز في حقوق العباد إلا أن يقتص لهم أو يعفوا هم عنها، وهذا من تمام عدله سبحانه.
كل هذه الأمور هي النجاح الحقيقي، أو بمعنى أدق: الفلاح الذي دعا إليه ديننا. فالله عز وجل لم يذكر النجاح في القرآن بوصفه الغاية التي يدعو إليها الناس، وإنما ما دعانا الله عز وجل إليه هو الفلاح، قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُون﴾ وذكر من صفاتهم في الآيات التي تليها: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ لِأَمَانَاتِهِمْ وَعَهْدِهِمْ رَاعُون﴾.
أما ما نراه من إنجازات ظاهرة للناس، فقد تكون جزءًا من فلاح أصحابها، فنحن لا نعلم نياتهم. وقد تكون مجرد نجاح دنيوي ظاهر، لأن الله سبحانه عدل، وقد قال: ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلْإِنْسَانِ إِلَّا مَا سَعَى﴾. وقال النبي ﷺ: "إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى…” فكل إنسان ينال بقدر ما قام في قلبه وسعى له.
بل إن النجاح الظاهري نفسه قد يكون ابتلاءً واختبارًا؛ فالله عز وجل يقول: ﴿وَنَبْلُوكُمْ بِالشَّرِّ وَالْخَيْرِ فِتْنَةً﴾. فقد يُبتلى الإنسان بما أُعطي من علم أو منصب أو مال، ليرى الله صنيعه وهو في مقام الخير والنعم.
ولأني رأيت خلال عملي كثيرين ممن يملكون إنجازات ظاهرة يصفق لها الناس، لكنني رأيتهم في الواقع معميي البصيرة وقد أعمتهم مناصبهم أو علومهم عن رؤية أنفسهم بصدق، فأصبحوا يتخبطون في أقوالهم وأفعالهم.
وفي المقابل، رأيت في صديقتي معاركها اليومية، ومحاولاتها المستمرة للتحسين والتغيير، وسعيها الدائم لأن تكون أفضل مما كانت عليه بالأمس. وعلى تقديم كل خيرٍ ممكن.
ورغم أن النوايا لا يعلمها إلا الله وحده، فإن المهم أن يعرف الإنسان نفسه، دون أن يغتر أو يتكبر، وعندما يعلم الإنسان أنه يسير في طريق الفلاح من خلال مجاهدته اليومية لنفسه، يزداد اطمئنانًا وثباتًا. لأنه لا يبني قيمته على أمر خارجي متغير، ولا على مدح الناس أو إعجابهم، بل على أمر أعمق وأبقى. فالفلاح الحقيقي يبدأ من الداخل.
أما إذا كان معنى النجاح للإنسان مرتبط فقط بإعجاب الناس أو تصفيقهم، فإن ثقته تهتز كلما غاب المديح أو خفتت الأضواء. (ورغم أن لدي وجهة نظر أخرى حول مفهوم “الثقة بالنفس” نفسه، وأرى أنه لا يوجد ما يسمى ثقة "بالنفس" وأنها في حقيقتها ثقة "بالله"، وحسن توكل عليه، وحسن ظن بأنه سيوفقك ويعينك، إلا أنني أستخدم المصطلح هنا بمعناه الشائع، ولعلّي أفرد له تدوينة مستقلة في المستقبل بإذن الله).
ورسالتي الختامية لصديقتي الغالية، ولي، ولكل من يهمه الأمر:
استمروا في السعي، وأكملوا طريق المثابرة والاجتهاد، فالسير والتقدم مطلوبان. لكن الأهم من الاستمرار في المسيرة هو أن نتوقف بين حين وآخر لنتأكد من النية التي نسير بها.
فليست كل نية تستحق أن تُبذل فيها الأعمار، وليست كل غاية يصفق لها الناس هي الغاية التي ينبغي أن نسعى إليها.
قد ننجح في الوصول إلى منصب، أو شهادة، أو مكانة، لكن السؤال الأهم: إلى ماذا يقودنا كل ذلك؟
لذلك أرى أن الغاية التي ينبغي أن ننشغل بها ليست النجاح في صورته الدنيوية المجردة، وإنما الفلاح الذي دعانا الله عز وجل إليه. ذلك الفلاح الذي يجمع بين صلاح النية، وحسن العمل، ونفع الخلق، ورضا الخالق.
فإذا صلحت النية، هان الطريق. وإذا كان المقصد هو الفلاح، فإن كل خطوة صادقة في السعي تصبح ذات معنى، حتى وإن لم يَرَها الناس نجاحًا.



