حين أعتدت أن أحمل كل شيء وحدي: الوجه الآخر للاستقلالية

هل أنا شخص مستقل فعلًا، أم أنني تعلمت ألا أعتمد على أحد؟

هناك فرق دقيق بين أن تكون قادرًا على الاعتماد على نفسك، وبين أن تشعر بأنك مضطر دائمًا إلى ذلك.

أحيانًا لا نختار الاستقلالية لأننا لا نحتاج إلى الآخرين، بل لأننا اعتدنا ألا نجدهم عندما نحتاج إليهم.

نتعلم أن نواجه المسؤوليات، وندبر أمورنا، ونبحث عن الحلول، ونتخذ القرارات دون انتظار مساعدة من أحد. ومع تكرار التجربة، تتشكل داخلنا قناعة مفادها: لا تنتظر أحدًا، افعل ما عليك بنفسك، فأنت المسؤول عن تدبير أمورك.

في البداية، تبدو هذه القناعة مصدر قوة. نصبح أشخاصًا يعتمد عليهم الآخرون، قادرين على إدارة شؤونهم والتعامل مع الظروف الصعبة. لكن ما لا ننتبه إليه أحيانًا هو أن السلوك الذي ساعدنا على تجاوز مواقف معينة قد يتحول تدريجيًا إلى نمط ثابت، نستمر في اتباعه حتى عندما لا تعود الظروف تتطلب منا ذلك.

وهنا يبدأ السؤال: متى تكون الإستقلالية تعبيرًا عن قدرة الشخص، ومتى تصبح استجابة تلقائية لصعوبة الاعتماد على الآخرين؟

كيف بدأت علاقتي بفرط الاستقلالية؟

في علم النفس، يُستخدم مصطلح فرط الاستقلالية (Hyper-independence) لوصف نمط من الاعتماد المفرط على الذات، قد يظهر في صورة صعوبة طلب المساعدة، أو التردد في تفويض المسؤوليات، أو الشعور بعدم الارتياح عند الاضطرار إلى الاعتماد على الآخرين. وهو وصف لنمط سلوكي ونفسي، وليس تشخيصًا نفسيًا مستقلًا.

عندما أتأمل علاقتي بالاستقلالية، أجد أن بعض جذورها قد تعود إلى طفولتي. مررت بتجارب شعرت فيها أن الأشخاص المحيطين بي ليسوا متاحين دائمًا عندما أحتاج إليهم، وأن بعض طلباتي قد تقابل بالرفض أو الغضب. وباعتباري طفلة، لم أكن أملك بالضرورة القدرة على فهم هذه المواقف أو تفسير أسبابها، لكنني ربما بدأت أتعلم منها شيئًا فشيئًا. ربما استنتجت أن طلب الأشياء قد يسبب إزعاجًا للآخرين، وأن الأفضل أن أدبر أموري بنفسي، وأتجنب وضع نفسي في مواقف قد أواجه فيها الرفض أو الغضب.

لا أستطيع الجزم بأن هذه التجارب وحدها هي التي صنعت نمطي الحالي، لكنني أجدها جزءًا مهمًا من الطريقة التي أفهم بها علاقتي بالاعتماد على الآخرين. ومع الوقت، لم يعد الأمر بالنسبة لي مجرد سلوك أمارسه عند الحاجة، بل أصبح جزءًا من هويتي. أصبحت أرى نفسي الشخص الذي يستطيع تدبير أموره، ويبحث عن الحلول، ويتحمل المسؤوليات، ويتعامل مع المشكلات دون انتظار أن يأتي أحد لينقذه. وأدركت أنني لا أعتمد على نفسي فقط لأنني أستطيع ذلك، بل ربما لأنني اعتدت أن أتصرف وكأن هذا هو الخيار الوحيد المتاح أمامي.

عندما تصبح الاستقلالية التزامًا داخليًا

لكن ماذا يحدث عندما يتحول الاعتماد على النفس من اختيار إلى التزام داخلي لا يستطيع الشخص التخلي عنه؟

عندما أتأمل سلوكي، أجد أن لدي عدة أسباب تجعل طلب المساعدة صعبًا بالنسبة لي. أحيانًا لا أريد تحميل الآخرين عبئًا إضافيًا. ولأنني اعتدت أن أحمل مسؤولياتي وأموري بنفسي، أفترض أن الآخرين أيضًا مثقلون بمسؤولياتهم، وأنهم لا يحتاجون إلى عبء إضافي، حتى لو كان ما أطلبه بسيطًا أو لا يتطلب منهم جهدًا كبيرًا. وكأنني أقيس قدرتهم على تقديم المساعدة من خلال مقدار ما أشعر به أنا من ثقل عندما أتحمل مسؤولياتي. وأحيانًا أخرى أشعر بشيء من الضعف عندما أطلب المساعدة، وكأنني أتنازل عن قدرتي على تدبير أموري بنفسي.

وهناك جانب آخر يتعلق بالثقة في قدرة الآخرين على تنفيذ الأمور بالطريقة التي أريدها. حتى عندما أوكل مهمة إلى شخص آخر، قد أجد نفسي أتساءل: هل أنجزها كما ينبغي؟ هل انتبه إلى التفاصيل؟ هل وصلت النتيجة إلى المستوى المطلوب؟ وقد يستمر هذا التساؤل داخلي حتى بعد انتهاء المهمة.

لاحظت ذلك مؤخرًا في أحد مشاريعي، حيث أعمل على تطوير لعبة تعليمية. في البداية، كنت أوكل بعض مهام التنفيذ إلى شخص تعاقدت معه لإنجازها، بينما أحتفظ لنفسي بالتوجيهات والقرارات المتعلقة بالمنتج.

ومع مرور الوقت، ومع تعدد مسؤولياتي وضغط المهام الأخرى في الحياة، بدأت أفوض إليه مهام أكثر. أراه مجتهدًا، ويفهم المطلوب، ولديه استعداد للعمل، وأدرك أن توزيع المسؤوليات بهذه الطريقة هو ما يسمح لي بالتركيز على الجوانب التي تتطلب وجودي وقراراتي. لكنني لاحظت شيئًا آخر يحدث داخلي.

كلما زاد التفويض وقلّت مراجعتي للتفاصيل، ظهر صوت داخلي خفي يسألني: هل أنتِ متأكدة مما يتم تنفيذه؟ هل العمل الذي يطوره ذو قيمة فعلية؟ هل من الممكن أن ينتج عملًا ضعيفًا أو بلا قيمة بينما أنتِ لا تراجعين ما يحدث؟ وأحيانًا يصل هذا الصوت إلى حد التشكيك في جودة العمل قبل أن أراه أو أقيّمه فعلًا. وهنا أجد نفسي أمام مفارقة: أنا التي قررت التفويض لأنني لا أستطيع حمل كل شيء وحدي، لكنني لا أستطيع دائمًا التخلي عن الشعور بأن عليّ متابعة كل شيء بنفسي.

قد يرتبط هذا النمط أحيانًا بالكمالية، خصوصًا عندما لا يكون القلق متعلقًا بمجرد الرغبة في إنجاز العمل بإتقان، بل بالخوف من أن تفوتني بعض الثغرات أو التفاصيل المهمة إذا لم أتابع كل خطوة بنفسي.

ومن المهم هنا التمييز بين السعي إلى جودة عالية، وهو أمر قد يكون محفزًا، وبين المخاوف الكمالية التي تجعل الشخص يشعر بأنه لا يستطيع التوقف عن المراجعة والسيطرة. وقد أشارت أبحاث عن الكمالية والاحتراق النفسي إلى أن المخاوف المرتبطة بالأخطاء والتقييم السلبي ترتبط بالاحتراق بدرجة أكبر من مجرد السعي إلى معايير مرتفعة. وهذا يجعلني أتساءل: هل أراجع التفاصيل لأن العمل يحتاج فعلًا إلى مراجعتي، أم لأنني أشعر بالقلق عندما لا أكون حاضرة في كل خطوة؟

ربما لا تكمن المشكلة في التفويض ذاته، بل في صعوبة التخلي عن الرقابة المستمرة، وفي الاعتقاد بأن جودة النتيجة تعتمد بالضرورة على وجودي في كل التفاصيل.

لماذا يزعجني النقد أكثر مما ينبغي؟

من الجوانب التي بدأت أتأملها في تجربتي أيضًا علاقتي بالنقد، خصوصًا عندما أكون قد تحملت مسؤولية كبيرة وبذلت جهدًا كبيرًا لإنجاز شيء ما.

أجد أنني أحيانًا أستجيب للنقد بانفعال أكبر مما يستدعيه الموقف، حتى عندما أكون مدركة أن الملاحظة قد تكون صحيحة، وأن هناك بالفعل مجالًا للتحسين.

عندما أفكر في ذلك، ألاحظ أنني لا أستقبل الملاحظة دائمًا بمعزل عن كل ما أحمله. فإذا كنت قد قضيت وقتًا طويلًا في التخطيط، والمتابعة، وحل المشكلات، واتخاذ القرارات، ومحاولة التأكد من أن كل شيء يسير كما ينبغي، ثم جاء أحدهم لينتقد نتيجة معينة، فقد لا أسمع الملاحظة باعتبارها مجرد نقطة تحتاج إلى تصحيح.

قد أشعر وكأن الرسالة التي وصلتني هي: رغم كل ما تحملته وبذلته، ما زلت مقصرة. وهنا أجد أن المسألة قد لا تتعلق بالنقد وحده، بل بما يحدث داخلي قبل وصوله. فعندما يكون الشخص تحت ضغط مستمر، وتكون موارده النفسية مستنزفة، قد تصبح قدرته على التعامل مع الملاحظات الإضافية أقل. وقد يستقبل الملاحظة بوصفها عبئًا جديدًا، لا مجرد معلومة يمكن الاستفادة منها.

انفعالي تجاه النقد لا يعني بالضرورة أنني أرفض الاعتراف بالخطأ، أو أنني أرى نفسي دائمًا على صواب. ربما أكون في بعض اللحظات مستنزفة إلى درجة تجعلني أحتاج أولًا إلى أن يُرى حجم ما أبذله، قبل أن أتمكن من التفكير بهدوء فيما يحتاج إلى تحسين.

وهنا أحتاج إلى التمييز بين أمرين: حاجتي إلى أن يكون جهدي مرئيًا ومقدرًا، وقدرتي على استقبال الملاحظات والاستفادة منها. فالحاجة الأولى لا ينبغي أن تمنعني من ممارسة الثانية. أحيانًا لا أحتاج إلى الدفاع عن صحة كل ما فعلته، بقدر ما أحتاج إلى أن أشعر بأن جهدي مرئي ومقدر.

الإنسان يحتاج إلى الاستقلالية والانتماء معًا

تقدم نظرية التحديد الذاتي (Self-Determination Theory)، التي طورها إدوارد ديسي وريتشارد رايان، منظورًا مهمًا لفهم هذه المسألة. وقد تعرفت إلى هذه النظرية ودرستها ضمن أحد البرامج في أحد أكبر مراكز تدريب القادة، وهو ما جعلني أعود إليها وأتأمل كيف تنعكس أفكارها على تجربتي الشخصية.

تفترض النظرية أن الإنسان يحتاج إلى ثلاثة احتياجات نفسية أساسية: الاستقلالية، والكفاءة، والارتباط بالآخرين.

الاستقلالية تعني أن يشعر الإنسان بأن أفعاله نابعة من اختياره وإرادته، والكفاءة تعني أن يشعر بقدرته على التأثير والإنجاز، أما الارتباط بالآخرين فيعني أن يشعر بالانتماء والقبول، وأن تكون لديه علاقات يشعر فيها بالدعم والتواصل.

هذه الاحتياجات لا تتعارض مع بعضها. فالاستقلالية لا تعني الانفصال عن الآخرين، والاعتماد المتبادل لا يعني فقدان القدرة على اتخاذ القرار.

لكن عندما أعطي مساحة كبيرة للاستقلالية والكفاءة، وأهمل حاجتي إلى الارتباط بالآخرين، قد أجد نفسي ناجحة في إدارة حياتي، لكنني أشعر بأنني وحيدة في إدارتها.

وعندما أربط هذه النظرية بتجربتي، أجد أنني تعلمت كيف أدبر أموري، وأتحمل مسؤولياتي، وأبحث عن الحلول، لكنني ربما لم أعطِ المساحة نفسها لتجربة الاعتماد المتبادل، أو الشعور بأن هناك من يمكنني الاستناد إليه دون أن أشعر بأنني أثقل عليه.

وهذا يغير الطريقة التي أنظر بها إلى الاستقلالية. فلم يعد السؤال بالنسبة لي: كيف أصبح أكثر قدرة على الاعتماد على نفسي؟ بل أصبح: كيف أحتفظ باستقلاليتي، دون أن أحرم نفسي من الدعم والارتباط بالآخرين؟

ماذا يقول ديننا، الذي هو منهاج حياتنا، عن حاجة الإنسان إلى الآخرين والاعتماد المتبادل؟

الإسلام لا يدعو الإنسان إلى الاتكالية أو التخلي عن مسؤولياته، لكنه في الوقت نفسه لا يصور الحياة على أنها رحلة فردية يجب أن يخوضها كل إنسان بمفرده. قال الله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَىٰ﴾. وقال رسول الله ﷺ: «المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضًا»، إن صورة البنيان في الحديث لافتة جدًا، فكل جزء يسند الآخر، ولا يفقد الجزء قوته لأنه يستند إلى جزء آخر.

وقال ﷺ أيضًا: «والله في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه»، فإذا كان تقديم العون للآخرين من المعاني التي حث عليها الإسلام، فإن قبول العون عندما نحتاج إليه لا ينبغي أن نعتبره انتقاصًا من قدرتنا أو كرامتنا.

ومن المهم أيضًا أن نتأمل في قوله تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾، فالآية في سياقها تتحدث عن التكليف الإلهي، لكنها تذكر أيضًا بأهمية إدراك حدود الطاقة البشرية، وعدم تحويل القدرة على التحمل إلى مطالبة دائمة للنفس بالمزيد.

كما يقول النبي ﷺ: «احرص على ما ينفعك، واستعن بالله ولا تعجز». وجدت في هذا التوجيه توازنًا أحتاج إلى تذكره باستمرار: أن أسعى، وأبذل ما أستطيع، وأتحمل مسؤوليتي، لكنني في الوقت نفسه أستعين بالله، وأفوّض إليه ما يقلقني وما أعجز عن حمله.

وهذا يقودني إلى جانب آخر من تجربتي: علاقتي بالتفويض والتوكل على الله. أحيانًا، عندما يستصعب عليّ أمر، أو أشعر بالقلق من مسؤولية أثقلتني، أحاول أن أذكّر نفسي بسؤال بسيط: ماذا لو تركت هذا الأمر على الله؟ والسؤال هنا ليس لأنني أشك في هذه الحقيقة أو أحتاج إلى اختبار صحتها؛ فأنا على يقين بأن التوكل على الله والطمأنينة إلى تدبيره هما مما ينبغي أن أستند إليه. لكن السؤال الذي أحاول مواجهته مع نفسي هو: إذا كنت أؤمن بذلك يقينًا، فلماذا لا أطبّقه دائمًا؟ ولماذا أعود إلى محاولة حمل كل شيء والتفكير في كل الاحتمالات، وكأن النتائج كلها مرهونة بقدرتي على تدبيرها؟

ليس المقصود أن أتوقف عن السعي أو أهمل ما يقع ضمن مسؤوليتي، بل أن أبذل الأسباب، ثم أترك لله ما لا أملك التحكم فيه، وألا أتصور أن النتيجة كلها معلقة بقدرتي وحدي.

لاحظت أن هذا المعنى يبعث في نفسي طمأنينة عميقة، أحيانًا يكفي أن أتذكره حتى يهدأ قلقي بصورة يصعب وصفها. وكأنني أستعيد إدراكي أنني لست وحدي في مواجهة ما يقلقني، وأن هناك أمورًا لا يتوقف تدبيرها على مقدار انشغالي بها أو قدرتي على السيطرة عليها.

لكنني لا أستحضر هذا المعنى دائمًا. أحيانًا يغلبني الانشغال، وأنسى أن أضع همومي بين يدي الله ﴿وَمَا أَنسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ﴾، فأعود إلى محاولة التفكير في كل الاحتمالات وحمل كل النتائج بنفسي. ثم أتذكر، فأعود إلى الطمأنينة من جديد.

وربما أحتاج إلى أن أتعلم ألا يكون التفويض إلى الله مجرد فكرة أستحضرها عندما أبلغ أقصى درجات القلق، بل أن يصبح حاضرًا في يومي، وفي تفاصيل قراراتي، وفي الأمور التي أخطط لها كما في الأمور التي أخشى نتائجها. فالتوكل لا يعني أن أحمل كل شيء حتى أعجز، ثم أطلب العون، بل أن أستعين بالله منذ البداية، وأسعى بما أملك من قدرة، وأطمئن إلى أن ما خرج عن قدرتي ليس مطلوبًا مني أن أسيطر عليه. فهذا المعنى نردده في صلواتنا سبع عشرة مرة كل يوم في قوله تعالى: ﴿وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ﴾.

كيف أستعيد التوازن؟

ربما لا يكون الحل في أن أتوقف عن الاعتماد على نفسي، أو أن أنتظر من الآخرين أن يتولوا مسؤولياتي. الحل أن أتعلم أن استقلاليتي لا تتطلب عزلتي.

أن أستطيع طلب المساعدة دون أن أشعر بالضعف أو أنني أحمّل الآخرين عبئًا غير مستحق. أن أفوض بعض المسؤوليات دون أن أشعر بأنني فقدت السيطرة على حياتي، وأن أتعلم التمييز بين التفويض والتخلي عن المسؤولية. فليس مطلوبًا مني أن أراجع كل تفصيل، لكن من حقي أن أضع معايير واضحة، وأتابع النتائج، وأمنح الآخرين مساحة لأداء العمل بطريقتهم.

أن أتقبل النقد دون أن أراه إنكارًا لكل ما قدمته، وأن أتعلم التوقف قليلًا قبل الاستجابة له، حتى أستطيع التمييز بين الملاحظة نفسها وبين ما أثارته داخلي.

أن أسمح لنفسي بالراحة دون أن أشعر بأن كل شيء سينهار إذا توقفت قليلًا. وأن أفهم أن قيمتي لا تتحدد بمدى قدرتي على التحمل، ولا بكمية المسؤوليات التي أستطيع حملها وحدي.

وأهم من ذلك، أن أتعلم أن أكون الطرف الذي يتلقى الدعم أيضًا، لا الطرف الذي يقدمه باستمرار.

بدأت ألاحظ أن التغيير لا يحدث بالضرورة من خلال قرارات كبيرة، بل أحيانًا من خلال مواقف يومية صغيرة أتصرف فيها بطريقة مختلفة عن المعتاد.

مؤخرًا، احتجت إلى مساعدة صديقتي في أمر يتعلق بسيارتي. لو حدث هذا الموقف قبل سنوات، لربما اتبعت طريقتي المعتادة: أبدأ بالبحث والقراءة، وأتعلم بنفسي ما أحتاج إلى معرفته، ثم أذهب إلى المختصين وأدفع مقابل إنجاز الأمر، دون أن يخطر ببالي أن أطلب من أحد مساعدتي، حتى لو كان بإمكانه ذلك بسهولة. لكن هذه المرة كان الأمر مختلفًا.

كنت منهكة بالفعل من كثرة المسؤوليات والمهام، ولم تكن لدي السعة النفسية أو الوقت لأضيف إلى قائمة مهامي أمرًا جديدًا يتطلب البحث والمتابعة والتعلم. لذلك طلبت مساعدة صديقتي.

قد يبدو الأمر بسيطًا من الخارج، لكنه لم يكن بسيطًا بالنسبة لي. فقد شعرت بشيء من الثقل لمجرد أنني طلبت المساعدة، رغم أنني كنت أعرف أن هذا الطلب ليس أمرًا غير معقول.

كان هذا الموقف بالنسبة لي تجربة صغيرة في التخلي عن النمط المعتاد: أن أتعامل مع كل احتياج باعتباره مهمة جديدة يجب أن أتعلم كيف أنجزها بنفسي، وأن أسمح لنفسي هذه المرة بأن أختار الطريق الذي يوفر عليّ الجهد، حتى لو كان يتطلب مني طلب المساعدة.

ربما تكون هذه إحدى الخطوات التي أحتاج إلى التدرب عليها: ألا أعتبر قدرتي على إنجاز الأمور وحدي سببًا كافيًا لأن أفعلها وحدي دائمًا.

أخيرًا: ليس عليّ أن أنجو وحدي طوال الوقت

ربما كانت قدرتي على تدبير أموري بنفسي هي ما ساعدني على تجاوز مراحل صعبة من حياتي. وربما كانت استقلاليتي من أعظم نقاط قوتي.

لكن لا أريد أن تتحول استراتيجية نجحت في مساعدتي يومًا إلى شرط دائم أشعر معه بالأمان.

أريد أن أحتفظ بقدرتي على الاعتماد على نفسي، دون أن أشعر بأن عليّ حمل كل شيء وحدي.

أن أكون قوية وأطلب المساعدة.

أن أكون مستقلة وأحتاج إلى الآخرين.

أن أكون شخصًا يعتمد عليه، دون أن أكون الشخص الذي يحمل كل شيء.

فالنضج ليس أن أصبح قادرة على فعل كل شيء وحدي، بل أن أعرف متى أفعل، ومتى أطلب العون، ومتى أسمح للآخرين بأن يشاركونني الطريق.

لا أريد أن أفقد قدرتي على حمل نفسي، أريد فقط ألا أشعر أن عليّ حمل كل شيء وحدي.

دمتم في سلام

تدوينات أُخرى في الرحلة

لنتواصل

يسعدني تواصلك على
basera.blog@gmail.com

وإن أردت أن تبقى على اطلاع بتدوينات رحلتي

يسرني اشتراكك في قائمتي البريدية

© 2025 مدوّنة بصيرة الذات | الموقع عمل محمّد الحكيــم

لنتواصل

يسعدني تواصلك على
basera.blog@gmail.com

وإن أردت أن تبقى على اطلاع بتدوينات رحلتي

يسرني اشتراكك في قائمتي البريدية

© 2025 مدوّنة بصيرة الذات | الموقع عمل محمّد الحكيــم

لنتواصل

يسعدني تواصلك على
basera.blog@gmail.com

وإن أردت أن تبقى على اطلاع بتدوينات رحلتي

يسرني اشتراكك في قائمتي البريدية

© 2025 مدوّنة بصيرة الذات | الموقع عمل محمّد الحكيــم