۱۰) توقف عن توريث الأمثال الشعبية المعيقة للحياة  

الأمثال الشعبية هي مرآة المجتمع. فهي تعكس الثقافة والعقلية السائدة في مجتمعٍ معين. والأمثال هي خلاصة تجارب الأسلاف تتبلور في أقوال يتم تداولها وتوارثها بين الأجيال.

ولكن… نتفق أن هذه الأقوال والأمثال التي تحولت لثوابت، ليست بالضرورة فعّالة في أزمنة وأمكنة أخرى. كما أنه ليس من الضرورة أن جميع هذه الأمثال مفيدة، فبعضها مبنية على معتقدات هشة لا تورث إلا عقليات عقيمة ورؤية محدودة، وقد أوضح الله عز وجل ذلك في قوله ﴿قَالُوا بَلْ نَتَّبِعُ مَا أَلْفَيْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ﴾، فقد أنتقد الله سبحانه وتعالى الإتباع الأعمى من غير تمحيص وتساؤل وتفكر وتدبر.

أحببت في هذه التدوينة أن أسرد بعضًا من الأمثال العامية التي نسمعها ونتداولها كثيرًا وأن أوضح أوجه النقص والمحدودية فيها.

أرضى بقردك لا يجيك اللي أقرد منه

‏- هذا المثل يحفز على الجلوس في منطقة الراحة بحجة الخوف من عدم الحصول على ما هو أفضل.

‏- ويحفز أيضًا على الخوف من الإقدام والخنوع لما هو أقل، والتشبيه بالقرد دلالة على ذلك.

-وفيه جحود وتقليل للنعمة بتشبيهها بالقرد متناسين أن كل ما لديك نعمة وفضل من الله، والأكيد أنه لا مانع من السعي للحصول على الأفضل.

‏- كما أنه يشترط معرفة وضمان المستقبل للمضي قدمًا وإلا (خلك مكانك سر) حتى لا يأتيك ما هو أسوأ. وفي المقابل الله عز وجل رغبّنا على الإقدام ﴿فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ﴾. العزم في الأمور يأتي بعد التفكير والمشاورة والاستخارة. فتعزم على فعل الأمر وتقدم عليه مع التوكل على الله عز وجل ومن غير ضمان النتائج لأنها عند من توكلت عليه. والله عز وجل سمى خيرة البشر بأولي العزم، فامتدح عزمهم وإقدامهم وهو خلاف ما هو مذكور في المثل السابق.

ظل راجل ولا ظل حيطة

⁃ على غرار المثل السابق، يحفز هذا المثل على الخنوع والخضوع لما هو أقل. وهذا بعكس ما جاء في ديننا الحنيف حيث قال الله عز وجل ﴿الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ وَبِمَا أَنفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ﴾. فحتى تحصل القوامة للرجل، عليه الإنفاق وتكفل معيشة الحياة وأن يكون رجل مسؤول، وإلا تُلغى قوامته.

⁃ كما أن هذا المثل يضع المرأة في منزلة أقل من الرجل، وكأن المرأة هي مخلوق من الدرجة الثانية لا حول لها ولا قوة من غير الرجل وبالتالي عليها أن تتقبل أقل مما تستحق.

⁃ وفي المقابل، مثل هذه الأمثال التي تتكرر بشكل مستمر على مسامع الذكور من الأبناء، يجعلهم يكبرون متوهمين أنه مرغوب فيهم على أية حال كانوا. وأنه حتى وإن لم يجتهد في حياته لأجل أسرته فمازالت المرأة لا تستغني عنه حتى وإن كان ظلًا وليس رجلًا حقيقي بكل معنى الكلمة. هذا بحد ذاته كافي لتخاذل الرجل عن معافرة الحياة والاجتهاد والجهاد ليكون رجلًا مسؤولًا.

المنحوس منحوس ولو علقوا على رأسه فانوس

⁃ يدعي هذا المثل الأبدية الحتمية للإنسان، لاغيًا سنن الله في الكون وأن دوام الحال من المحال وأن الله عز وجل منح الإنسان خيار التغيير والذي وضحه في القرآن الكريم في قوله ﴿إِنَّ اللّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا بِأَنْفُسِهِمْ﴾.

⁃ أيضًا هذا المثل يلغي بشرية الإنسان. فمن طبيعتنا البشرية أن نخطئ ولكن هذا المثل يحكم على من فشل عدة مرات أنه منحوس الحظ ويثبط عزيمته من أن يحاول ويستمر في المحاولة. والله عز وجل وعد من يبذل الجهد بأن ينال مبتغاه حيث قال ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾.

سبع صنائع والبخت ضايع

⁃ أيضًا على غرار المثل السابق، الله عز وجل لا يضيع مجهود الإنسان حيث قال ﴿منْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً ۖ وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾ والعمل الصالح لا يقتصر على العبادات. فأي صنعة تأتي بالنفع والرزق الحلال للإنسان هي عملًا صالحًا. والله عز وجل وعد في هذه الآية أن الله لن يكتفي بجزاءهم، بل سيجزيهم بقدر أحسن أعمالهم.

⁃ ثم إن هذا المثل يلغي عدل الله عز وجل، فهو عز وجل من أمرنا بالعمل ﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ﴾ وعلى قدر سعي الإنسان يلقى نتيجة سعيه ﴿وَأَنْ لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى* وَأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى﴾. فهذا فيه إلغاء عدل الله عز وجل وتعالى الله عن ذلك.

فاقد الشئ لا يعطيه

⁃ العطاء أو عدم العطاء لا يُقاس بامتلاك الشئ من عدمه، وليس بالضرورة أن يمتلك الشخص الكثير ليعطي. ولكن قد يمتلك الوعي باحتياج الطرف الآخر، فتراه يُقدّم من العطاءات الشئ المناسب وهذا مماثل لما قاله الله عز وجل ﴿وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ﴾.

⁃ كما أن هذا المثل يُضيق واسعًا. فالعطاء ليس محدود بالأشياء المادية. وليس كل عطاء من مخزون حتى نقيده بامتلاك القدر الكافي من هذا المخزون. فهناك العطاءات المعنوية والتي في كثير من الأوقات لا يشعر بأهميتها إلا من فقدها، فيحرص هذا الشخص أن لا يكون مصدر منع لهذه الحاجة المعنوية.

⁃ وكما تعلمنا من الصغر أن الجزاء من جنس العمل، فيُفضل لمن يتمنى الحصول على شئ معين أن يعين شخص آخر يتمنى نفس الشئ، في الحصول على هذا الشئ ما استطاع. وهذا خلق نبيل وهو عكس الأنانية إذ يتمنى المرء للآخرين ما يتمناه لنفسه وهو من تمام الإيمان كما قال صلى الله عليه وسلم (لا يؤمن أحدكم حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه).

وأخيرًا، (المؤمن كيّس فطن) كما وصفه الرسول صلى الله عليه وسلم، إذ لا ينبغي أن نكون كمن أنتقدهم الله وقال فيهم ﴿قَالُوا بَلْ وَجَدْنَا آبَاءنَا كَذَلِكَ يَفْعَلُونَ﴾ بأن نتبع من غير تفكير وتمحيص بل علينا أن نهتدي لهدي الله عز وجل حين أمرنا وقال ﴿أَفَلَا تَعْقِلُونَ﴾ و﴿أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ﴾ بأن نعرض ما توارثناه من آبائنا على عقولنا ونتفكر ونتأمل فنهتدي بهداية الله لنا.

دمتم في سلام

التعليقات

    ريم بخيت
    February 10, 2023

    أتفق معك من أمثالنا الكثير المحبط والذي لا يحفز المجتمع والفرد بل يساعده على البلادة والكسل والخنوع.. كما أن هناك أمثالا مقابلة لها توجه معاكس مثل (الشاطرة تغزل برجل حمار) وغير ذلك
    لك كل الحب
    راقية في تدوينتك وفي كتاباتك الله يوفقك

    1
    0
    0

شاركني رأيك

لن يتم نشر بريدك الالكتروني
لن يتم نشر بريدك الالكتروني

تدوينات أخرى

استمع للتدوينة